مجمع البحوث الاسلامية

36

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

ما بين يديه من قرآن هو من عند اللّه . وأخذ النّبيّ - كما أمره اللّه - الطّريق عليهم ، فدعاهم إلى أن يدخلوا معه في تجربة عمليّة ، هي أبلغ من كلّ قول ، وأقوى من كلّ حجّة ، تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ آل عمران : 61 . ولقد خرج النّبيّ الكريم بنفسه ، وبابنته فاطمة ، وولديها الحسن والحسين ، وبنسائه جميعا ، وطلب إلى هذا الوفد أن يلقوه بأنفسهم ، وبأبنائهم وبنسائهم ، وأن يبتهلوا جميعا - هو ومن معه ، وهم ومن معهم - إلى اللّه : أن يجعل لعنته على الكاذب من الفريقين ، فيما يقول عن عيسى من مقولات ! وتدبّر الوفد الأمر فيما بينهم ، وأداروه على جميع وجوهه ، ونظروا إلى أنفسهم ، وإلى أبنائهم ونسائهم ، فرأوا أنّ الأمر قد صار إلى الجدّ ، وأنّهم مبتلون في أنفسهم وأهليهم . وهنا أعادوا النّظر فيما بين أيديهم من أمر المسيح ، فرأوا أنّ حجّتهم واهية ، وأنّ يقينهم الّذي استيقنوه منه مشوب بشكّ يكاد يغلب هذا اليقين ، وبدا لهم أنّ مصرعهم وشيك هم وأهليهم إن هم باهلوا النّبيّ ، وأنّ دعوتهم على أنفسهم باللّعنة إن أخطأتهم ، فلن تخطئهم دعوة النّبيّ الّتي لا تردّ . فتركوا ما جاءوا له ، وعادوا من حيث أتوا ، وفي قلب كلّ منهم وسواس ، وفي كيانه صراع عاصف ، بين الحقّ الّذي رآه ، والباطل الّذي يعيش فيه . ( 2 : 483 ) محمّد جواد مغنيّة : هذه هي الآية المعروفة بآية المباهلة ، وهي من أمّهات الكتاب . والقصد الأوّل من هذه الآية الكريمة العظيمة هو تدعيم الدّين الحنيف ، وإثبات الرّسالة المحمّديّة الإنسانيّة ، بطريق لا عهد به للعلم والعلماء ، ولا يقدر عليه أحد على الإطلاق سوى خالق الأرض والسّماء ، ومع ذلك يفهمه بسهولة ويسر الجاهل والعالم . . . ترتبط هذه الآية بالسّنة التّاسعة لهجرة الرّسول الأعظم صلّى اللّه عليه وآله إلى المدينة ، وهي السّنة المعروفة بعام الوفود ، لأنّ النّاس توافدت فيه على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله من شتّى بقاع الجزيرة العربيّة ، يخطبون ودّه بعد أن أعلى اللّه كلمة الإسلام ونصر المسلمين على أعداء الدّين . [ ثمّ نقل القصّة نحو ما سبق عن ابن إسحاق بإيجاز ، إلى أن قال : ] وصدق هذه الرّواية لا يحتاج إلى دليل ، لأنّها بنفسها تدلّ على صدقها ، وتحمل قياسها معها ، كما يقول أهل المنطق : إنّ أكثر الّذين أنكروا الحقّ وعاندوه كان الدّافع إلى موقفهم المصالح الخاصّة ، والمنافع الشّخصيّة ، كما شرحنا ذلك مفصّلا عند الآية ( 54 ) من هذه السّورة ، فقرة « الحقّ وأرباب المنافع » . ناظر الرّسول وفد نجران في صفات عيسى ، وجادلهم بالحجّة الدّامغة ، والمنطق السّليم بما لا يقبل المزيد . ولمّا أصرّوا على العناد قطع الكلام معهم ، وأنهى المناظرة ، ودعاهم إلى ما لا يشبه شيئا ، ولا يشبهه شيء من الحجاج والنّقاش ، ولكنّه يحسم الموقف بسرعة ، ويستأصل النّزاع من الجذور . دعاهم إلى التّفوّه بكلمة واحدة فقط لا يقدم عليها في تلك اللّحظة إلّا من كان على يقين من صدقه ، ولا يحجم عنها إلّا من كان عالما